وهبة الزحيلي

10

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

وهؤلاء الذين آمنوا من النصارى هم المذكورون في قوله تعالى : وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ ، وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خاشِعِينَ لِلَّهِ ، لا يَشْتَرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلًا [ آل عمران 3 / 200 ] وفي قوله تعالى أيضا : الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذا يُتْلى عَلَيْهِمْ قالُوا : آمَنَّا بِهِ ، إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنا ، إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ إلى قوله : لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ [ القصص 28 / 52 - 55 ] . لذا جازاهم اللّه على إيمانهم وتصديقهم واعترافهم بالحق ، فقال : فَأَثابَهُمُ اللَّهُ بِما قالُوا جَنَّاتٍ . . . أي جعل جزاءهم دخول الجنة دار النعيم ، التي تجري من تحتها الأنهار ، أي تسيل مياهها من تحت أشجارها ، وهم ماكثون فيها أبدا ، وهذا هو جزاء المحسنين : الذين أحسنوا في اتباعهم الحق وانقيادهم له مهما كان مصدره ، ونعيم الآخرة يصعب علينا معرفته وتحديده ، لقوله تعالى : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ، جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ [ السجدة 32 / 17 ] . أما الذين كفروا وكذبوا بآيات اللّه ، أي جحدوا بها وخالفوها ، وأنكروا وحدانية اللّه ونبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم فأولئك هم أهل النار والداخلون فيها ، والمقيمون إقامة دائمة فيها . فقه الحياة أو الأحكام : هذه الآيات مثل عال دقيق للإنصاف والحق والعدل ، إذا أنها قسمت الناس إلى فريقين : فريق المؤمنين والموالين لهم وجزاؤهم جنات النعيم ، وفريق المشركين والكفار الموالين لهم من اليهود وجزاؤهم نيران الجحيم . إنه إنصاف من الناس لأنفسهم وإنصاف من اللّه تعالى لهم . لقد أنصف جماعة من النصارى أنفسهم بسبب إذعانهم لدين الحق والتوحيد ، فآمنوا باللّه ورسوله وبالنبي محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ؛ لأنهم كانوا يعلّمون الناس أصول الدين